أحمد بن ابراهيم النقشبندي
269
شرح الحكم الغوثية
فاجل مرآة قلبك يا أخي بالصمت وذكر اللّه ؛ فإنك إذا صمت الصمت
--> - يعلق قلبه بمحبة شيء من الأكوان الظلمانية والخيالات الوهمية ، فانطبعت في مرآة قلبه أنوار الإيمان والإحسان ، وأشرقت فيها أقمار التوحيد وشموس العرفان ، . . أي وبصقل مرآة قلبك يزول إنكارك للحق فتعرفه في كل شيء ، فيصير قلبك قطب فلك الأنوار فيه تبدو أقمار التوحيد وشموس العرفان ، وإذا أراد اللّه تعالى خذلان عبد بعدله وحكمته أشغل فكرته بالأكوان الظلمانية والشهوات الجسمانية ، فانطبعت تلك الأكوان في مرآة قلبه ، فانحجب بظلماتها الكونية وصورها الخيالية عن إشراق شموس العرفان وأنوار الإيمان ، فكلما تراكمت فيها صور الأشياء انطمس نورها ، واشتد حجابها ، فلا ترى إلا الحس ولا تتفكر إلا في الحس ، فمنها ما يشتد حجابها وينطمس نورها بالكلية فتنكر وجود النور من أصله ، وهو مقام الكفر والعياذ باللّه ومنها ما يقل صداها ويرق حجابها فتقر بالنور ولا تشاهده ، وهو مقام عوام المسلمين وهم متفاوتون في القرب والبعد وقوة الدليل وضعفه كل على قدر يقينه وقلة تعلقاته الدنيوية وعوائقه الشهوانية وخيالاته الوهمية . وفي الحديث : « إنّ القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، وإن الإيمان يخلق » ، أي يبلى « كما يخلق الثوب الجديد » ، الحديث وفي حديث آخر : « لكل شيء مصقلة ومصقلة القلوب ذكر اللّه » ، وقال أيضا صلى اللّه عليه وسلم : « إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإن هو نزع واستغفر صقلت ، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الرّان الذي ذكر اللّه : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين : 14 ] » ، أو كما قال عليه السلام . وإذا علمت أنّ القلب ليس له إلا وجهة واحدة ، إذا قابلها النور أشرقت ، وإذا قابلتها الظلمة أظلمت ، ولا تجتمع الظلمة والنور أبدا ، علمت وجه تعجب الشيخ بقوله : كيف يشرق قلب بنور الإيمان والإحسان وصور الأكوان الظلمانية منطبعة في مرآة قلبه ، فالضدان لا يجتمعان قال اللّه تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [ الأحزاب : 4 ] ، فمالك أيها الفقير إلا قلب واحد إذا أقبلت على الخلق أدبرت عن الحق ، وإذا أقبلت على الحق أدبرت عن الخلق ، فترحل من عالم الملك إلى الملكوت ، ومن الملكوت إلى الجبروت ، وما دمت مقيدا في هذا العالم بشهواتك وعوائدك ، فلا يمكنك الرحيل إلى ربك .